المقريزي
21
المقفى الكبير
وابنه قاضي الخافقين كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد اللّه ، فإنّه ولي قضاء الموصل وتردّد عن عماد الدين زنكي أتابك إلى بغداد في الرسائل مرارا . ثمّ انتقل إلى دمشق فولي القضاء بها وصار في درجة الوزارة يحكم في البلاد . واستناب ابنه محيي الدين أبا حامد صاحب الترجمة في الحكم بمدينة دمشق ، ثمّ ولّاه قضاء حلب ، فلم يكن شيء من أمور الدولة يخرج عن أمره حتى الولاية وشدّ الدواوين ، وذلك في أيّام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي . وتوجّه في الرسالة إلى بغداد في الأيّام المقتفويّة للإصلاح بين نور الدين المذكور وصاحب الروم قلج أرسلان . فلمّا مات نور الدين أقرّه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على ما كان عليه ، حتى مات في المحرّم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بدمشق . وقيل له « قاضي الخافقين » لكثرة امتداد [ البلاد ] التي وليها . وولد محيي الدين [ 22 ب ] صاحب الترجمة في سنة سبع عشرة وخمسمائة . وتفقّه ببغداد وسمع بها الحديث على أبي منصور [ بن ] الرزاز وغيره . وقدم مصر وولّاه نور الدين قضاء حلب نيابة عن أبيه فبقي حاكما بها حتى مات نور الدين فولي قضاء الموصل ومدرستها ، وتمكّن عند صاحبها عزّ الدين مسعود ابن قطب الدين مودود بن زنكي واستولى على جميع أموره ، وتوجّه رسولا عنه إلى بغداد مرارا ، وكان البهاء يوسف بن شدّاد في خدمته . ولم يزل على قضاء الموصل إلى أن مات بها يوم الأربعاء في رابع عشر جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين وخمسمائة . وكان فاضلا عالما بفنون من العلم متضلّعا من علم الأدب ، له الخطّ المليح ، ويوصف بالبذل والعطاء والجود والسخاء ، والتواضع وحسن الخلق واللطف . قيل : إنّه أنعم في بعض رسائله إلى بغداد بعشرة آلاف دينار أميريّة على الفقهاء والأدباء والمحاويج . ويقال إنّه لم يعتقل مدّة حكمه بالموصل غريما على دينارين فما دونها ، بل كان يؤدّي ذلك عن الغريم من ماله . وتحكى عنه مكارم كثيرة ورئاسة ضخمة . وكان من النجباء ، عريقا في النجابة ، تامّ الرئاسة ، كريم الأخلاق ، رقيق الحاشية . ومن شعره ، في نزول الثلج من الغيم [ الوافر ] : ولمّا شاب رأس الدهر غيظا * لما قاساه من فقد الكرام أقام يميط هذا الشيب عنه * وينثر ما أماط على الأنام وله [ الطويل ] : أأحبابنا إن شتّت الدهر شملنا * وأصبح عهدي عندكم دارس العهد فلا تحسبوا أنّ الصبابة بالنوى * تخفّ وأنّ الشوق ينقص بالبعد حملتم جميعا كلّكم شوق واحد * وحمّلتموني شوقكم كلّه وحدي فو اللّه لا آنست عينيّ بالبكا * سلوّا ، ولا أوحشت قلبي من الوجد 3101 - أبو حامد البلنسيّ [ - 633 ] محمد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبي